في الوقت الذي عبرت فيه مصر والسودان عن ترحيبهما بمبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوسط في أزمة سد النهضة، أحجم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن التعليق حتى الآن.

 

قالت صحيفة "إثيوبيان تريبيون"، إن "صمت آبي أحمد المريب يعبر عن الكثير بشأن زعيم محاصر بسبب حركات التمرد الداخلية والانهيار الاقتصادي واستراتيجية الحصار المصرية المعقدة التي تهدد بجعل إثيوبيا غير ذات أهمية دبلوماسية في القرن الأفريقي".

 

تجاهل دبلوماسي

 

ووصفت الصحيفة عدم إصدار الحكومة الإثيوبية أي رد علني حتى بعد مضي 4 أيام على إعلان ترامب بأنه "تجاهل دبلوماسي يُخفي حقيقة أكثر قتامة: آبي أحمد، الذي كان يُحتفى به ذات يوم باعتباره المصلح الأفريقي العظيم والحائز على جائزة نوبل، يترأس الآن دولة ممزقة لا تملك سوى القليل من الخيارات".

 

وفيما اعتبرت الصحيفة أن سد النهضة هو "الإنجاز الوحيد الذي ربما يوحد الجهود المبذولة في عهد رئيس وزراء اتسم بالفوضى والفشل"، فقد رأت في التحركات المصرية لتشكيل تحالف إقليمي مصر "يهدف خصيصًا لعزل إثيوبيا واستغلال كل ثغرة استراتيجية خلقتها أو فاقمت منها إدارة آبي أحمد الفوضوية".

 

وأشارت إلى أن "مصر لم تكتفِ بالاعتراض على السد، بل عمدت إلى بناء تحالف مناهض لإثيوبيا مع الصومال وإريتريا، محوّلةً نزاعًا مائيًا إلى تهديد وجودي للمصالح الإثيوبية على جبهات متعددة". 

 

الانتشار العسكري المصري في الصومال

 

وأبرزت الصحيفة حصوصًا الانتشار العسكري في الصومال، "لإنشاء قاعدة عمليات متقدمة على الجبهة الشرقية لإثيوبيا. وجاء ذلك عقب مذكرة التفاهم الكارثية التي وقّعها آبي أحمد مع أرض الصومال في يناير 2024، والتي عرضت الاعتراف بالمنطقة الانفصالية مقابل الوصول إلى موانئ البحر الأحمر، وهي صفقة لم تُنفذ بعد، لكنها نجحت ببراعة في منح مصر حليفًا إقليميًا ومصدرًا للظلم".

 

واعتبرت أن الأرقام تكشف عن صورة قاتمة، "فقد نشرت مصر ما يُقدّر بنحو 5 آلاف جندي في الصومال بموجب اتفاقيات مع الاتحاد الأفريقي، مزودين بأسلحة متطورة تشمل مركبات مدرعة وأنظمة دفاع جوي ، وهو ما يتجاوز بكثير متطلبات حفظ السلام المعتادة. ويقوم مدربون عسكريون مصريون الآن بتدريب القوات الصومالية على تكتيكات تبدو مناسبة بشكل مثير للريبة للحرب التقليدية بدلاً من مكافحة تمرد حركة الشباب". 

 

ورأت الصحيفة أنه "بالنسبة لإثيوبيا، التي افتقرت إلى منفذ بحري مباشر منذ استقلالها عام 1993، والتي يعتمد سكانها البالغ عددهم 120 مليون نسمة على جيبوتي في أكثر من 90 بالمائة من تجارتها الدولية، يُمثل هذا الوجود العسكري المصري ضربة قاضية لنقطة ضعفها الأبرز".

 

وقالت إن التقارب بين القاهرة والرئيس الإريتري أسياس أفورقي يضفي بُعدًا شماليًا على هذا الخلاف الاستراتيجي، فقد تبادلا العديد من الزيارات رفيعة المستوى منذ عام 2023، حيث تعهدت مصر بتقديم دعم اقتصادي ودبلوماسي لأحد أكثر الأنظمة عزلة في العالم. 


وبحسب ما نقلت الصحيفة عن تقييمات استخباراتية، فإن "آبي أحمد قد درس خيارات لزعزعة استقرار حكومة أسياس أو حتى إسقاطها، معتقدًا أن إريتريا ما بعد أسياس قد تمنح إثيوبيا منفذًا إلى البحر الأحمر الذي يشغل بال رئيس الوزراء". 

 

لكنها وصفت هذه المخططات بأنها "غطرسة بالغة"، قائلة: "لقد صمد أسياس 31 عامًا من الحكم الاستبدادي بفضل كفاءته العالية وجهازه الأمني المتين"، محذرة من أن "أي محاولة إثيوبية لإحداث تغيير في النظام ستوحد الشعب الإريتري المعروف باستقلاليته ضد الدولة نفسها التي خاضوا حرب استقلال مريرة للفرار منها".

 

نجاح الاستراتيجية المصرية

 

ورأت الصحيفة في الوقت أن الاستراتيجية المصرية تحقق أهدافًا متعددة في آن واحد، "فعلى الصعيد الدبلوماسي، تُرسّخ مكانة مصر كمدافعة عن وحدة الأراضي الصومالية وسيادة إريتريا في وجه التوسع الإثيوبي، وهو خطاب يلقى صدى واسعًا في أفريقيا، حيث تبقى الحدود الاستعمارية مصونة رغم تعسفها". 

 

أما على الصعيد الاقتصادي، فقالت إن "السياسات المنسقة بين مصر والصومال وإريتريا قادرة على خنق التجارة والاستثمار الإثيوبيين في وقتٍ تشتد فيه حاجة أديس أبابا إليهما". 

 

وعلى الصعيد العسكري، حذرت الصحيفة من أن هذه الاستراتيجية تُجبر إثيوبيا على مواجهة التهديدات القادمة من الشمال والشرق والغرب، في حين أنها تُعاني أصلاً من تمردات داخلية مدمرة.

 

انتحار سياسي لـ "آبي أحمد" 

 

واعتبرت أن قبول أبي أحمد وساطة ترامب، لا سيما تلك التي قد تفرض قيودًا عملية يشكل "انتحارًا سياسيًا"، ورأت أن "التخلي عن السيطرة على سد النهضة سيقضي على إحدى ركائزه القومية القليلة المتبقية، وسيُعرّضه لاتهامات فورية بالخضوع لضغوط استعمارية جديدة"، وفق قولها.

 

وعلقت الصحيفة على اقتراح ترامب للوساطة، الذي يضمن الأمن المائي لمصر مع السماح بتوليد كميات كبيرة من الكهرباء، وإمكانية بيع إثيوبيا للطاقة إلى مصر بأنه "دبلوماسية مبتكرة تُقر بالمصالح المشروعة لجميع الأطراف". 

 

وقالت في هذا السياق: "يمكن نظريًا أن يُدرّ عنصر الطاقة مقابل المياه في هذا الإطار ما بين 500 مليون ومليار دولار سنويًا لإثيوبيا من خلال صادرات الكهرباء، وهو دخلٌ تشتد الحاجة إليه لبلدٍ ذي احتياطيات ضئيلة من العملات الأجنبية، ومن شأن هذا التكامل الاقتصادي أن يُنشئ ترابطًا يجعل الصراع أكثر تكلفةً على جميع الأطراف".

 

صراع عسكري محتمل 

 

وأعربت الصحيفة في حال تطور النزاع إلى صراع عسكري بأن نتيجته ستكون محسومة لمصر، "التي تمتلك ما يقارب 1100 طائرة حربية، من بينها طائرات إف-16 ورافال المتطورة؛ بينما تمتلك إثيوبيا أقل من 80 طائرة، العديد منها في حالة جاهزية تشغيلية مشكوك فيها بعد سنوات من الصراع". 

 

وقالت: "وستكون السيطرة الجوية المصرية حاسمة في أي مواجهة عسكرية، كما أن الهيكل الخرساني الضخم لسد النهضة، رغم متانته، قد يتعرض لأضرار جراء الضربات الدقيقة المتواصلة على البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك التوربينات والمفيضات".

 

مع ذلك، رأت أنه "لا يزال الصراع العسكري مستبعدًا، فالتكاليف والمخاطر على جميع الأطراف هائلة، ولا يبدو أن آبي أحمد أو السيسي متحمسان للحرب. لكن العمل العسكري المحدود، أو الصراعات بالوكالة، أو الدبلوماسية القسرية المدعومة بالتعبئة العسكرية، كلها احتمالات واردة إذا ما استمرت المفاوضات في طريق مسدود". 

 

وقالت إن الانتشار العسكري المصري في الصومال يهيئ بنية تحتية لحملات الضغط دون الوصول إلى المواجهة المباشرة. وقد يُؤدي الدعم الإثيوبي لجماعات المعارضة في شبه جزيرة سيناء المضطربة أو الصحراء الغربية إلى رد مصري، كما أن المناوشات الحدودية بين القوات الإثيوبية والإريترية قد تتصاعد بسرعة نظرًا للعداء المتبادل بينهما.

 

https://ethiopiantribune.com/2026/01/trumps-nile-gambit-exposes-abiy/